شباب للتغيير
انت غير مسجل عندنا فان كنت مسجل فتكرم بالدخول وان لم تكن مسجل فعليك ان تنضم لنا ولن تندم

سيرة الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سيرة الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي

مُساهمة  شباب للتغيير في الجمعة مارس 26, 2010 5:10 am

سيرة الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي

* الدكتور محمد بوزغيبة *

جامعة الزيتونة تونس



أبو عمرو عبد الرحمن بن محمد الأوزاعي ولد بمدينة بعلبك سنة 88 هـ، توفّي أبوه وهو صغير فكفله أحد أصدقاء أبيه، و أخذه إلى منزله و ربّاه إلى أن بلغ الحلم فوظّفه في الديوان.

للأوزاعي أخ أكبر منه اسمه عبد الله، كان قد روى عنه، كما روت عنه بنته رواحة وكانت فقيهة، وهذا دليل على تفتح فكر الرّجل الذي درّس ابنته نحو القرن الثاني للهجرة، وجعلها تروي علومه لتلاميذه.

عاش الإمام الأوزاعي في ظلّ العهدين الأموي و العبّاسي، فقد عاصر تسعة خلفاء أمويين وخليفتين عبّاسيين. وتميّزت تلك الفترة بالعلم والعلماء في مختلف العلوم والفنون الشرعيّة منها والدنيويّة، كعلوم القرآن والحديث والفقه و الكلام و الأدب و الإدارة والتربية، وفيها عرّبت الدواوين و انتشرت الترجمة وازدهرت حركة العمران. وقد استطاع الإمام الأوزاعي أن يحافظ على المكانة التي كانت له أيام الأمويّين و أقرّه عليها العبّاسيون.



تلقّى العلم عن علماء الشام و العراق و مكّة و المدينة، و من أبرز من أخذ عنهم عطاء بن أبي رباح وابن شهاب الزّهري، ومن الذين روى عنهم و رووا عنه سفيان الثّوري و عبد الله بن المبارك ومالك بن أنس و يحي بن أبي كثير، ومن أبرز من أخذ عنه سفيان بن عيينته ووكيع بن الجرّاح(1).



وبهذا فقد جمع الأوزاعي بين المدارس الفقهية التي اعتمدت على الرأي والحديث معا. نبغ الإمام الأوزاعي رحمه الله في العلم حفظا و إدراكا في سنّ مبكّرة مما خوّله أن يفتي الناس في مسائل الفقه وهو ابن ثلاثة عشر عاما. وبلغ الأوزاعي درجة الاجتهاد المطلق وانتشر مذهبه في الشام وفي الأندلس والمغرب فترة طويلة من الزّمن، حيث انتشر في بلاد الشّام لغاية عام 340 هـ، و في بلاد شمال أفريقيا والأندلس إلى عام 197 هـ، حيث استبدل بمذهب الإمام مالك رضي الله عنه(2).



وكان آخر من عمل بمذهبه في الشام القاضي أحمد بن سليمان بن حذلم ثمّ درس مذهبه بوفاة العارفين فيه، واحتراق كتبه، ورغبة الحكّام باعتماد مذاهب أخرى، وبتحوّل تلاميذه عن مذهبه طلبا للعلم عند الأئمّة الآخرين الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة (3).



اشتهر الأوزاعي بأنّه كان واحد زمانه و إمام عصره وأوانه، و أنّه كان ممّن لا يخاف في الله لومة لائم، نهّاء على المنكر مقوالا بالحقّ لا يخاف سطوة العظماء، وكان متواضعا سريع الرجوع إلى الحقّ إذا سمعه، و كان ذا حافظة قويّة، فصيحا كريما وفيّا، وكان صاحب عبادة وخشوع، عظيم الاحترام للعلم وأهله. قال النّووي: "قد انعقد الإجماع على جلالته وإمامته وعلوّ مرتبته وكمال فضيلته، ومقالات السّلف مشهورة كثيرة في ورعه وزهده وعبادته و قيامه بالحقّ وكثرة حديثه وفقهه وفصاحته وإتباعه للسنّة، وإجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار له واعترافهم بمزيّته وروينا من غير وجه أنّه أفتى في سبعين ألف مسألة"(4).



شهد للأوزاعي الأئمّة بالعلم و الفضل، فقال عنه الإمام مالك رحمه الله: "الأوزاعي إمام يقتدى به". قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله: "ما رأيت رجلا أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي". وقال الإمام أحمد بن حنّبل رحمه الله: "كان الأوزاعي من الأئمّة". وجاء في كتاب " تاريخ التشريع الإسلامي" قول الشيخ محمد الخضري: وكان الأوزاعي كاتبا مترسّلا، و له رسائل تؤثّر وكان ذا أدب عال، ونقل لنا بعض أقواله:

منها قوله: " إذا أراد الله بقوم شرّا فتح عليهم الجدل و منعهم العمل".

ومن قوله: "ويل للمتفيقهين لغير العبادة والمستحلين الحرمات بالشّبهات" (5).



حثّ الإمام الأوزاعي تلاميذه على عدم الخوض في أحاديث الفتنة وكان ثقة مثلما قال محمد ابن سعد في طبقاته: "كان ثقة مأمونا فاضلا خيّرا، كثير الحديث و العلم والفقه"، و نوّه إسحاق بن راهويه بمكانته العلمية فقال: "إذا اجتمع الأوزاعي و الثوري ومالك على الأمر فهو سنّة"(6).



ومن مواقف الأوزاعي الشهيرة التي تثبت أنّه كان ينصح الحكّام ويقبلون نصيحته، لأنّه لم يكن معارضا ولا مناوئا لهم، ولم يكن أيضا متزلّفا و لا خدّاعا في العهدين الأموي والعبّاسي، من مواقفه أيضا حديثه مع عبد الله بن علي الشيعي لما قدم الشام و قتل بني أميّة، فإنّه استدعى الأوزاعي وعبدالله في جنده وسيوفهم مسلولة و قال له: " ما تقول في دماء بني أميّة"؟

قال: " قد كانت بينك وبينهم عهود؟ وكان ينبغي أن تفوا بها".

قال عبد الله: "ويحك اجعلني وإياّهم لا عهد بيننا".

يقول الأوزاعي: فأجهشت نفسي وكرهت القتل فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها فقلت: "دماؤهم عليك حرام". قال هذه الكلمة أمام جيش مسلّح ويرغب في الحرب، فغضب عبد الله بن علي الشيعي و انتفخت عيناه وأوداجه، و قال: " ويحك ولم؟"

فقال له الأوزاعي: " قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيّب زان و نفس بنفس وتارك لدينه" (7).

قال: و يحك، أو ليس الأمر لنا ديانة؟ أليس كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى لعلي؟

قال الأوزاعي: لو أوصى إليه ما حكم الحكمين، ( مسألة الفتنة مع معاوية) فسكت واجتمع غضبا وجعلت أتوقّع رأسي يسقط بين يدي، فأومأ أن أخرجوه فخرجت(Cool.



هذا الموقف التاريخي الذي وقفه الأوزاعي مع القائد الشيعي، وأثبت به رفضه ا لقاطع للحرب و الدّم و قناعته بضرورة التعايش السلمي بين الفرق فما بالك بين الأمم و الشعوب يسجّل في حسناته.



وفي سنة 157 هـ، توفّي الإمام الأوزاعي وهو ابن تسع وستين في خلافة أبي جعفر المنصور العبّاسي، تاركا مجموعة مصنّفات منها كتابين في الحديث هما: المسند والسّنن في الفقه و كتابا في الفتاوى وآخر في السير وهو يتحدث عن علاقات المسلمين بغير المسلمين زمن الحرب. و بما أنّه لم يقم بتدوين مذهبه، كما أنّ تلاميذه بالرغم من كثرة عددهم لم يدوّنوا جميع آرائه أو مؤلفاته، فلم يكتب لهذا المذهب الاستمرار. ولو فعل تلاميذه كما فعل أتباع بقية المذاهب لبقي هذا الفقه حيّا لعصرنا الحاضر. على أننا نجد آراء الأوزاعي في كتب الفقه و الحديث و المغازي متفرّقة متناثرة.



وقد ترك لنا الإمام الشافعي كتابه "سير الأوزاعي" حيث سجّل فيه بعض الآراء لأبي حنيفة وردّ الأوزاعي عليها(9).



ثمّ ردّ أبي يوسف أيضا، وفي الكتاب آراء للشافعي بيّن فيها وجهة نظره فيما اختلف فيه هؤلاء الأئمّة من أحكام(10).



ومن الباحثين المتأخّرين الذين اعتنوا به الشيخ مروان محمد الشعّار الذي ألّف كتاب "الأوزاعي إمام السلف"، وكتاب "سنن الأوزاعي: أحاديث وآثار وفتاوى"، جمع فيه 2210 حديثا رواها الأوزاعي و85 أثرا وسبعة آراء خاصة بالأوزاعي. و ذكر الشيخ الشعّار سبب موت الأوزاعي فقال: "كان سبب موته أنّه اختضب بعد انصرافه من صلاة الصبح و دخل في حمّام له في منزله، وأدخلت معه امرأته كانونا فيه فحم لئلا يصيبه البرد وأغلقت الباب من الخارج، فلما هاج الفحم صفرت نفسه، وعالج الباب ليفتحه فامتنع عليه، فألقى نفسه فوجد متوسّدا ذراعه إلى القبلة(11).



وفي الختام فإنّ الإمام الأوزاعي صاحب المذهب المندثر والرافض للحروب والفتن، كان من أكرم الناس وأسماهم، و كان له في بيت المال على الخلفاء إقطاع – أي رصيد خاص – صار إليه من بني أميّة، وقد وصل إليه من خلفاء بني أميّة و أقاربهم و بني العباس نحواً من سبعين ألف دينار، فلم يمسك منها شيئا ولا اقتنى شيئا من عقّار ولا غيره، و لا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، بل كان ينفق ذلك كلّه في سبيل الله و الفقراء والمساكين(12).







(1) انظر ترجمة الأوزاعي في: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب: 6/238 ط: حيدر أباد: الدكن

الأصفهاني: حلية الأولياء: 6/130: دار الكتب العلمية: د. ت

(2) الحجوي: محمد الثعالبي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: 1/367: ط: دار التراث القاهرة

(3) الشعّار مروان محمد: الأوزاعي إمام السلف: دار النّفائس

(4) النووي: تهذيب الأسماء و اللّغات: 1/298 ، ط: المنيريّة مصر

(5) الخضري محمد: تاريخ التشريع الإسلامي : 211 – 212 : دار الفكر العربي

(6) الحجوي: الفكر السّامي: 1/367

(7) أخرجه البخاري في كتاب الديات، و مسلم في كتاب القسامة و النّسائي في التحريم و الترمذي في الحدود

(Cool الخضري: م . ن: 212 – الجندي: عبد الحليم: مالك بن أنس إمام دار الهجرة: 235 : دار المعارف القاهرة

(9) راجع مثلا مناظرة تمت بين الأوزاعي وأبي حنيفة في العبادات ذكرها الحجوي في الفكر السّامي، 1/330.

(10) طنطاوي محمود و من معه: المدخل الفقهي و تاريخ التشريع الإسلامي 295 – 296 : مكتبة وهبة مصر

(11) الشعّار مروان: سنن الأوزاعي: أحاديث و آثار و فتاوى دار النفائس بيروت، ط: 1993

(12) ممن ترجم للأوزاعي أيضا: الذهبي: تذكرة الحفّاظ: 1/376 حيدر أباد الدّكن – سير أعلام النّبلاء: 7/107، ط: مؤسسة الرسالة بيروت – الشيرازي: طبقات الفقهاء. 76: دار الرائد العربي بيروت: 1981 – ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1/488: بيروت: دار صادر 1957

البستي محمد بن حبّان: مشاهير علماء الأمصار: 180 تصحيح فلايشهمر القاهرة 1959.
avatar
شباب للتغيير
Admin

عدد المساهمات : 67
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/02/2010
العمر : 24
الموقع : www.eslamelhafy.blogspot.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shabablltagher.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى